
- لاتزال تشهد ليبيا انقساماً سياسياً حاداً بين الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس برئاسة عبد الحميد دبيبة وحكومة أخرى في شرق البلاد برئاسة أسامة حماد وتخضع لنفوذ اللواء خليفة حفتر ، الأمر الذي يفاقم الوضع وتداعياته بصورة خطيرة على البلاد والمواطنين في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية .
- مؤخراً أثارت الدعوات لتشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا جدلاً سياسياً وإعلامياً واسع النطاق ، حيث يرى بعض الليبيين في ذلك مخرجاً من الأزمة الراهنة ، بينما يشكّك آخرون في جدواها نظراً للانقسامات السياسية والمؤسسية العميقة التي تعصف بالبلاد .
فقد دعا أسامة حماد رئيس الحكومة المعيّنة من قبل مجلس النواب الليبي غير المعترف به دولياً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ، مشدداً على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل وجاد في أسرع وقت ممكن يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة قائمة على التوافق ذات مهام واضحة وصلاحيات محددة ضمن إطار وطني ملزم.
وفي بيان نُسب له ، أوضح أسامة حماد أن ليبيا تمرّ بمرحلة بالغة الحساسية ، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع التعقيدات السياسية ، وأشار إلى أن استمرار الانقسام وتوقف العمليات الدستورية والتنفيذية لا يمكن تأجيلهما ، معتبراً أنهما يشكلان تهديداً حقيقياً لوحدة البلاد ، ووصف البيان حكومة طرابلس برئاسة عبد الحميد دبيبة بأنها انتهت ولايتها، متهماً إياها بتبديد المال العام وترسيخ الفساد المالي والإداري، مما ساهم في تعميق الانقسام داخل مؤسسات الدولة ، و دعا أسامة حماد حكومة طرابلس إلى الدخول في حوار مباشر لمعالجة الأزمة المالية الراهنة، أو التنحي وإتاحة الفرصة لشخصيات أخرى لتوحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار في البلاد.
- على الصعيد البرلماني ، أيّد النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دوما ما وصفه بالمطلب الشعبي والوطني المُلِحّ والمتمثل في البدء الفوري بحوار وطني شامل لإنهاء حالة الجمود الراهنة، والتوصل إلى تشكيل حكومة موحدة تتمتع بالصلاحيات والشرعية اللازمتين وأكد مصباح دوما أن توحيد السلطة التنفيذية هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، وضمان تقديم الخدمات لجميع المدن والقرى في ليبيا دون تمييز أو إقصاء ، مشدداً بأن الهدف الأسمى الذي يسعى إليه البرلمان ولن يتنازل عنه هو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، تحقيقاً لآمال وتطلعات الناخبين الليبيين ، وأشار إلى أن دعم هذه المبادرة ينبع من شعور بالواجب الوطني والمسؤولية التاريخية التي يتحملها البرلمان تجاه الشعب والوطن، داعياً إلى حوار وطني لاستعادة هيبة الدولة وتوحيد الحكومة والمؤسسات السيادية وذكر دوما أن هذه الدعوة ليست مجرد إعلان سياسي عابر، بل هي صرخة من أجل العدالة في وجه الانقسام، ودعوة صادقة ومسؤولة لاستعادة هيبة الدولة واستقرارها ، محذراً من أن التشرذم المستمر الذي يعاني منه الليبيون لم يعد أمراً يمكن تجاهله أو تأجيله، ومؤكداً أن هذا الوضع ينخر في صميم الأمة ويهدّد وحدتها ووجودها تهديداً مباشراً.
وعلى مسار متوازي ودعماً لهذا التوجّه ، أصدر مرشحو رئاسة الوزراء في الحكومة الموحدة الجديدة بياناً أعلنوا فيه دعمهم للوحدة الوطنية واستكمال العملية السياسية، بما يفضي إلى إنهاء الانقسام واستعادة استقرار الدولة ، ومن بين هؤلاء المرشحين: سلامة الغويل ، ومحمد المنتصر، وعبد الحكيم بيع ، ومحمد المزوغي ، وعبد الباسط الغاماتي ، وعلي ساسي ، حيث أكدوا دعمهم للمبادرات الجادة الرّامية إلى توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الحوار الوطني الشامل، وصولاً إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة ، وأعلنوا التزامهم بقوانين الانتخابات الصادرة عن لجنة 6+6، وتعهدوا بالعمل على تطبيقها لضمان انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الليبي ، مشدّدين على ضرورة تضافر جهود جميع القوى السياسية والوطنية ، وسيادتها على لغة الحوار والتوافق لتحقيق الاستقرار وسيادة القانون.
- يحظى الملف الليبي، بما يعانيه من أزمة مؤسسية وسياسية عميقة ، باهتمام بالغ من قبل جهات دولية فاعلة رئيسية ، وعلى رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة اللتان دعتا أيضاً إلى توحيد المؤسسات في البلاد. وفي هذا الصدّد أكّد مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية من خلال عملية سياسية ، مشدّداً على دعم واشنطن لهذه الجهود ، وقال بولس ” إنّ سبيل ليبيا نحو الاستقرار الدائم يتطلب عملية سياسية ذات مصداقية بقيادة ليبية تعمل على توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية “. وأكّد بولس أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع الأطراف الليبية المعنية وفق نهج عملي ومنسق لخلق الظروف اللازمة لضمان استقرار المؤسسات السياسية وتحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل ، مؤكداً أن الولايات المتحدة تدعم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة حنا تيتيه ومبعوثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أونسميل في جهودهما لتيسير هذه المساعي.

وبالتزامن مع تصريحات بولس ، كشفت مصادر متابعة للوضع السياسي الليبي أنّ مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا مسعد بولس يعمل على خطة لتشكيل حكومة ليبية موحدة دون إجراء انتخابات ويهدف هذا المقترح إلى توحيد مَرْكَزي القوى المتنافسين (معسكر رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة في غرب ليبيا، وفصيل اللواء خليفة حفتر المسيطر على الشرق) ، وتشير المصادر إلى أن محادثات جرت بين إبراهيم دبيبة وصدام حفتر في أبو ظبي وروما وباريس ، وتهدف الخطة إلى تقسيم المناصب الرئيسية في الدولة بين الجانبين مما يسمح لهما بالبقاء في السلطة مع تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
- وفي بيانٍ مشترك ، دعا أعضاء مجلس الأمن إلى تنفيذ برنامج تنموي موحّد، مشدّدين على أهمية وجود ميزانية موحّدة لمنع المزيد من التدهور الاقتصادي في ليبيا ، وأشاروا إلى أهمية إحراز تقدم نحو توحيد جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية ، وشدّدوا على أهمية الحفاظ على وحدة واستقلال النظام القضائي كما حثّوا الأطراف على إظهار الإرادة السياسية والتوافق اللازمين لدفع عملية يقودها الليبيون ويملكونها، والامتناع عن أي إجراءات أحادية الجانب من شأنها ترسيخ الانقسامات المؤسسية وتقويض فرص المصالحة الوطنية وتفاقم الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا. وأشار الأعضاء إلى أهمية إحراز تقدّم نحو توحيد جميع المؤسسات بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، وشدّدوا على أهمية الحفاظ على وحدة واستقلال النظام القضائي.
وفي إطار الدعوات لتشكيل حكومة وحدة وطنية ، يرى المحللون الليبيون أن المشكلة في ليبيا لا تكمن في غياب التوافق، بل في وجود اتفاق تام بين النخب على إبقاء الدولة ضعيفة وعرقلة أي عملية إصلاح حقيقية ، وإجهاض أي مشروع وطني يُطرح قبل أن يرى النور، وتأجيل أي خطوة ديمقراطية . وأن فكرة إمكانية تحقيق الديمقراطية أو الإصلاح المؤسسي في ظل هذه الظروف ما هي إلا وهم كبير لأن ( المسرحية ) مستمرة والوضع على حاله والأدوار محدّدة مسبقاً. وأن أزمة ليبيا أعمق من مجرد صراع على السلطة ، فهي أزمة أيديولوجية واجتماعية حيث يتمسّك كل طرف برؤيته وينظر إلى أي تنازل على أنه هزيمة ويرفض أي محاولة للاعتراف بالطرف الآخر. ويشير المحللون إلى أن هذا الوضع يجعل أي مشروع لتوحيد البلاد أو بناء دولة مدنية شبه مستحيل ، حيث أن الخلاف الحاصل ليس مجرّد مشكلة يمكن حلها بالقانون ، بل هو واقع دائم يجب التعامل معه بحكمة ، و أن عدم إدراك هذه الحقيقة يحوّل كل عملية ديمقراطية إلى صراع جديد ويجعل الدستور وصناديق الاقتراع أدوات لتأجيج الانقسام بدلاً من معالجة الأزمة. ويرى المحللون أن حلّ الأزمة الليبية يكمن في تغيير العقلية السياسية والثقافية للمجتمع، وفي إعادة بناء وعي جماعي يرفض

- الاستقطاب ويقبل التعددية كقيمة لا كتهديد ويجعل الحوار هو القاعدة لا الاستثناء، ويحوّل التعايش مع الآخرين من تنازل إلى شرط أساسي لبقاء الدولة ، وإلا فإن استمرار الوضع الراهن سيُبقي البلاد غارقة في الانقسامات والفوضى بينما تلعب القوى الخارجية دوراً حاسماً في تحديد مسارها ، فبدون إصلاح جذري للفكر السياسي والثقافة ، ستظل ليبيا خاضعة لدورات متكررة من الفشل والانقسام وستكون البلاد والمواطن هما الضحية الدائمة.
- وكانت منصّة ” المكتب الجيوسياسي – جيوبوليتكال ديسك ” للتحليلات السياسية الدولية قد تناولت الوضع السياسي في ليبيا في تقريرٍ حديث حول المخاطر السياسية في البلاد ، سلّط الضوء على تصاعد الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية والأمنية التي تُعاني منها البلاد ، وأوضح التقرير أن المشهد السياسي الليبي يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في مؤشرات عدم الاستقرار، مع تزايد الضغوط الاقتصادية وعودة الاحتجاجات الشعبية في عدة مدن غرب ليبيا. وبحسب التقرير، بدأت موجة من الغضب الشعبي تتشكل في ظل تدهور الأوضاع المعيشية. وشهدت مدن طرابلس والزاوية وزليتن مظاهرات محدودة، مطالبةً بإقالة الحكومتين وإنهاء الانقسام السياسي في البلاد. وأشار التقرير إلى أن رئيس حكومة الوفاق الوطني (عبد الحميد دبيبة) يسعى لإجراء تعديل وزاري لتعزيز موقف حكومته ، وقد أثارت هذه الخطوة تحفظات من رئيس المجلس الرئاسي الليبي ( محمد المنفي) الذي حذّر من ضرورة اتّباع الإجراءات القانونية المعمول بها في أي تغييرات حكومية.
أشار تقرير ” المكتب الجيوسياسي” أيضاً إلى استمرار التوتر داخل مجلس النواب الليبي بشأن النقاش الدائر حول مقترحات فرض ضرائب جديدة على الواردات، في حين يواصل الجيش الوطني الليبي عملياته العسكرية ضد الجماعات المسلحة في جنوب البلاد ، وخلص التقرير إلى أن تضافر الأزمة الاقتصادية والانقسام السياسي وتدهور الوضع الأمني في الجنوب يُشكّل مزيجاً من المخاطر التي قد تدفع ليبيا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار إذا لم يتم احتواء التوترات السياسية وإطلاق عملية إصلاح اقتصادي لتخفيف الضغوط الاجتماعية المتزايدة.



