قراءة أمريكية في بيان تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية حول التصعيد بين باكستان وطالبان أفغانستان .

- يرى المحللون الأمريكيون في البيان الذي أصدره تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية بتاريخ 17 مارس/آذار من العام الجاري 2026 رداً على الغارات الجوية التي شنها الجيش الباكستاني بين 16 و17 مارس/آذار في كابول ، بأن أهمية البيان تكمن ليس فقط في مضمونه ، بل فيما يحاول إخفاءه ، حيث صوّرت القاعدة في شبه القارة الهندية الغارات التي شنتها باكستان على أنها هجوم على المدنيين مدّعيةً أن الطائرات الحربية الباكستانية استهدفت (مركزاً لإعادة تأهيل مدمني المخدرات) وتسببت في سقوط ضحايا جماعية هذا الادّعاء مضلّل وجزء من استراتيجية إعلامية متعمدة ، وأن الهدف الحقيقي كان مستودع أسلحة تابعاً لحركة طالبان يحتوي على أسلحة تابعة للقاعدة في شبه القارة الهندية ، ويقع على مقربة من المنشأة المذكورة في البيان ( مركز إعادة التأهيل ) ، فمن خلال تركيز روايتهم على الموقع المدني، تحاول القاعدة في شبه القارة الهندية صرف الانتباه عن خسارة أصولها العملياتية. وتُعدّ هذة الضربة أقوى ضربة لوجود القاعدة في أفغانستان منذ الضربة التي أودت بحياة ( أيمن الظواهري ) في يوليو/تموز 2022. وعلى عكس تلك العملية التي استهدفت قائداً واحداً آنذاك ، تستهدف هذه الضربات اليوم البنية التحتية واللوجستية ومواقع الأسلحة للقاعدة في آن واحد.

- ويرى المحللون أن رسائل الجماعة في شبه القارة الهندية تتبع أسلوباً مألوفاً لتنظيم القاعدة، إذ تمزج بين الخطاب الديني وادّعاءات إلحاق الأذى بالمدنيين وتوجيه الاتهامات إلى من يقاتلونها، مصورةً الجيش الباكستاني في هذه الحالة على أنه يعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ، وأنه من المفارقات أن هناك عناصر من حماس داخل عشرات معسكرات القاعدة في أفغانستان ، ومن المرجح أن حماس لا ترغب في تسليط الضوء على هذا الأمر، لا سيما أمام إسرائيل، لأن أفغانستان هي المكان الذي تسعى فيه حماس إلى إعادة ترسيخ وجودها.
- يُكرّر بيان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة الهندية الحديث عن الاستشهاد ويصوّر الصراع بين باكستان وأفغانستان على أنه “حرب بالوكالة”، ويُصوّر التنظيم كمدافع عن حركة طالبان الأفغانية وعموم المسلمين، في حين أن تنظيم القاعدة وحركة طالبان من بين الجماعات التي تُلحق أكبر قدر من الضرر والقتل بالمسلمين في منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية ، وهو بالحقيقة جهد مُدبّر لحشد الدعم، وتشكيل الرأي العام، وإخفاء حقائق ساحة المعركة.
- يشير البيان أيضاً إلى التوافق مع طالبان، مما يعزّز جبهة موحدة ضد باكستان وضد الأمريكيين ( كما يراها محللو البيان ) مما يمهّد الطريق لتصعيد مستمر ، إضافة أنهم يجسّون نبض الشارع لمعرفة مدى تأثير رسائل القاعدة في شبه القارة الهندية ، ثم سيكثفون جهودهم الإعلامية وفقاً لذلك. لكن الواقع العملياتي يروي قصة مختلفة ، حيث أن هذه الضربات الباكستانية ليست معزولة ولا تقتصر على حركة طالبان أو ( شبكة حقاني ) فحسب ، فالعمليات العسكرية الباكستانية تؤثر الآن على مستويات متعددة من وجود تنظيم القاعدة، بما في ذلك شبكاته في أفغانستان، وبنيته القيادية العليا، وفروعه الرئيسية مثل حركة طالبان باكستان والحركة الإسلامية في أوزبكستان ، وقد استُهدف أحد مواقع التدريب الخارجية الرئيسية لتنظيم القاعدة، وهو موقع كان محورياً في تخطيطه للتوسع في الولايات المتحدة إلى جانب العديد من مستودعات الأسلحة المرتبطة بتخطيطه العملياتي الأوسع . وهذا يعكس اضطراباً على المستوى الهيكلي، وليس مجرد اضطراب تكتيكي.

- أنّ هناك مؤشرات واضحة على أن تنظيم القاعدة يتكبد خسائر فادحة ، إذ يُنقل المقاتلون الأجانب إلى المستشفيات باستخدام هويات أفغانية لإخفاء هوياتهم والتستر على أعداد الضحايا. وفي الوقت نفسه، كثّف التنظيم عمليات الدفن، حيث يُجري عمليات دفن سريعة للمقاتلين الأجانب للحد من وضوح حجم الخسائر. مما يشير إلى أن هذه ليست تصرفات منظمة تعمل بحرّية، بل هي سلوكيات شبكة تتعرض لضغوط وتسعى جاهدة لإخفاء حجم هذه الضغوط.
- لسنوات، عملت القاعدة في أفغانستان بحرّية حركة وتدريب وتنسيق شبه كاملة ، وقد أتاحت هذه البيئة للتنظيم إعادة بناء قدراته، وتعزيز تخطيط عملياته الخارجية، وتعميق علاقاته مع فروعه الإقليمية ، و ما يحدث الآن يُمثل تحولاً جوهرياً.
في هذا السياق، يرى المحللون الأمريكيون أن بيان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة الهندية يبدو أقرب إلى ردّ فعل منه إلى موقف قوة. وأنه محاولة للسيطرة على الرأي العام في لحظة تتجه فيها الحقائق العملياتية في الاتجاه المعاكس. لا يكتفي تنظيم القاعدة بإصدار بيان، بل يتكيف تحت الضغط، ويتكبد خسائر، ويحاول إخفاء حجم الضرر الحقيقي .



