سيناريوهات النهاية المحتملة للحرب

🕓 وقت القراءة: 8 دقيقة

مشاركة المقالة:

 

 تنذر الحرب  الأمريكية – الاسرائيلية المستمرة على إيران بخطر تداعيات سياسية واقتصادية واسعة النطاق لاسيما في إحداث صدمة هائلة بإمدادات النفط  وبمتابعة تطورات مسار الحرب  يمكننا تحديد عدّة سيناريوهات محتملة للنهايات  بدءاً من – وقف إطلاق نار مُتفاوض عليه ( ربما مرتبط باتفاق نووي جديد) وصولاً إلى – حالة جمود أو تجميد الصراع  – والانسحاب الأمريكي (إعلان النصر) – وتغيير النظام بشكل حاسم  -وتصعيد حرب إقليمية شاملة ، ولكل منها محفّزات وجداول زمنية وشروط خاصة بها . وتبقى احتمالات كل سيناريو غير مؤكدة بطبيعتها ، لكن التقدّم العسكري الحالي في أحداث الحرب وتقييد الخيار التفاوضي السياسي لإنهاءها تجعل حالة الجمود المطوّلة بمسار الأحداث أكثر ترجيحاً نسبياً من النصر الصريح أو الانهيار الكامل.

 

  • وقف إطلاق النّار التفاوضي / الاتفاق النووي

تتفق إيران والولايات المتحدة (غالباً عبر أطراف ثالثة كسلطنة عُمان أو وسطاء الاتحاد الأوروبي) على تعليق الأعمال العدائية مقابل فرض قيود نووية صارمة وتخفيف تدريجي للعقوبات . قد يظهر هذا الاتفاق في غضون أسابيع أو أشهر مدفوعاً بإرهاق الطرفين من الحرب أو بتحقيق اختراقات دبلوماسية غير رسمية ، خاصةً إذا رأى كل طرف أن مخاطر التصعيد تفوق المكاسب .

 احتمالية حدوث ذلك متوسطة : فقد أبدى كلا الجانبين انفتاحاً ، مع أن انعدام الثقة لا يزال قائماً. قد تشبه بنود الاتفاق اتفاقاً جديداً على غرار خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) المعروفة باسم الاتفاق النووي الايراني الذي وقع عام ٢٠١٥ بين إيران ومجموعة (5+1)  الذي يفضي إلى عدم تخزين اليورانيوم المخصب.

 خطر فشل السيناريو مرتفع: فبدون تغيير النظام ، قد تتراجع إيران عن التزاماتها أو تعيد بناء قدراتها ببطء. في الواقع ، ينتج عن ذلك “سلام بارد” أو “صراع مجمّد” منخفض المستوى مع ضغوط متقطعة مستمرة مستقبلاً .

  • الانسحاب الأمريكي / إعلان النصر

تقرّر الولايات المتحدة أن الأهداف الحالية التي نتج عنها تدهور البنية التحتية الصاروخية والنووية الإيرانية  ” كافية ” فتسحب قواتها دون اتفاق رسمي . قد يحدث هذا على المدى القصير (من أسابيع إلى شهر) نتيجةً لضغوط سياسية أمريكية داخلية إضافة إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية .

 احتمالية حدوث ذلك متوسطة : تتوقع استطلاعات الرأي والوسطاء انسحاباً سريعاً ، وسيكون الإنهاء من جانب واحد بحيث ستبقى إيران تحت حكم الجمهورية الإسلامية التي يُرجح أن تكون أكثر تحدياً  وستبقى العقوبات سارية إلى حد كبير، ولن يتم التوصل إلى اتفاق جديد.

  • مأزق / صراع مُجمّد

لا يحقق أي من الطرفين نتيجة حاسمة ، بل تنشأ حرب طويلة الأمد ذات مستوى منخفض تشمل استنزاف القوى مما يجعل المكاسب هامشية لكلا الطرفين ، إضافة إلى الضغط الخارجي الإقليمي وفي المنطقة الذي يُجبر على تجميد الوضع فعلياً . الإطار الزمني لهذا السيناريو : متوسط ​​المدى (من أشهر إلى سنوات)  في هذا السيناريو، تنجو إيران، وتكون قيادتها الجماعية تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني ، ويستمر الصراع بشكل متقطع تتمثل بضربات عبر الحدود، وهجمات إلكترونية، ومناوشات ، لكن بدون تحقيق نصر حاسم .

احتمالية حدوث ذلك عالية نسبياً : يرى العديد من الخبراء أن هذا هو السيناريو الافتراضي في حال عدم التوصل إلى تسوية .خاصة وأنّ شروط إنهاء غير متوفرة حالياً بشكل فعلي .

خطر الفشل كامن ومستمر: حيث أن أي وقف لإطلاق النار هو وقف مؤقت ، ويمكن أن تندلع حرب شاملة من جديد مع استفزازات مستقبلية .

  • نصر عسكري حاسم (تغيير النظام بالقوة)

تحقق الولايات المتحدة بالتنسيق مع  إسرائيل ضربة قاضية سريعة ضد إيران ، تُطيح بالقيادة المركزية للجمهورية الإسلامية ، عبر هجوم جوّي واسع النطاق أو عملية كوماندوز تُنهي قيادة إيران، ما قد يُؤدي نظرياً إلى انهيار النظام .

 الإطار الزمني قصير إلى متوسط ​​(أسابيع إلى أشهر).

 احتمالية حدوث ذلك منخفضة : إنّ بنية النظام الإيراني المشتّتة خلال الحرب  ( اللامركزية ) تُقاوم هذا السيناريو ،  وكما تُشير التحليلات الإعلامية الغربية ، فقد صمدت الجمهورية الإسلامية 47 عاماً من الحرب والثورة ،وفي حال حدوث ذلك ، فستُملى الشروط من قِبل المنتصرين عبر فرض احتلال أو تنصيب حكومة جديدة تقرّرها الولايات المتحدة . لكن مثل هذا السيناريو يُنذر بتمرّد شعبي مفتوح أو حرب أهلية على المدى المتوسط .

خطر الفشل متوسط : فقد يكوم تقييم الولايات المتحدة غير دقيق بحيث يُخفي النظام الجديد مشاعر معادية للولايات المتحدة أو تتم الإطاحة به من قبل متشدّدون إيرانيون بالداخل انتقاماً .

 

  • تصعيد إقليمي / حرب متعددة الجبهات

تتجاوز الحرب  إيران والولايات المتحدة ليتحول إلى حرب إقليمية أوسع خارجة عن السيطرة ، كأن يشنّ حزب الله هجمات تُسفر عن خسائر بشرية فادحة في إسرائيل ، أو إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للطاقة في دول الخليج ، ما يُعدّ تجاوزاً للحدود الضمنية للحرب .

الجدول الزمني سريع (من أيام إلى أسابيع). احتمالية حدوث ذلك متوسطة: فقد كثّف حزب الله والحوثيون والجماعات العراقية الموالية لإيران عملياتهم بالفعل للانتقال إلى حرب شاملة ، وقد يُشعلون هجوم واحد كبيراً كاستهداف إسرائيل أو منشآت أرامكو السعودية . ستكون النتيجة حرباً متعددة الجبهات تشمل اشتباكات إسرائيلية إيرانية وخليجية إيرانية ، مع هجمات على منشآت النفط والشحن الخليجية . سيستلزم هذا على الأرجح تدخّل القوات الأمريكية وحلفائها للدفاع بقوة عن سفن وقواعد الخليج . قد لا ينتهي صراع بهذا الحجم إلا بالإنهاك أو بتسوية تفاوضية تحت ضغط كبير.

خطر الفشل غير محدد: فبعد حرب كهذه ، ستستمر العداوات المريرة ، رغم استنزاف الدول عسكرياً.

إن نشوب حرب عالمية حقيقية تشمل روسيا أو الصين يظل خطراً ضئيلاً للغاية ، يتجاوز السيناريوهات الرئيسية التي تم النظر فيها في هذا التحليل.

  • سيناريوهات أسعار النفط

ستتأثر أسعار النفط باضطرابات الإمداد (عبر إغلاق مضيق هرمز والهجمات) وصدمات الطلب (إلغاء الرحلات الجوية والعقوبات) واستجابات السياسات (الإفراج عن الاحتياطيات، وتغييرات إنتاج أوبك ).

  • وقف إطلاق النار التفاوضي / الانسحاب

بمجرد انتهاء الأعمال العدائية واستئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يمكن أن ينتعش الإنتاج من دول الخليج . تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يتجاوز سعر خام برنت 95 دولاراً للبرميل خلال الشهر أو الشهرين المقبلين نتيجة للصدمة الأولية ، ثم ينخفض ​​إلى ٧٠ دولاراً بحلول نهاية العام . ومن المتوقع أن يصل السعر إلى ذروة قصيرة الأجل تتراوح بين 90 و100 دولار، ثم ينخفض ​​إلى ما بين 60 و70 دولاراً  خلال ستة إلى اثني عشر شهراً (مع الأخذ في الاعتبار عمليات السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي واستئناف التدفقات).

  • جمود / استنزاف مطوّل

مع تدفقات جزئية ومتقطعة، تبقى الأسعار مرتفعة. إذا اقتصر مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز على كميات ضئيلة، واستمرت تخفيضات إنتاج أوبك، وطالبت شركات التأمين بأقساط مخاطر الحرب ، فقد يرتفع سعر خام برنت إلى ما يقارب 120 دولاراً ثم يستقر عند حوالي 90-100 دولار على المدى القصير .

  • التصعيد الإقليمي (حرب واسعة النطاق)

يمثل هذا السيناريو أسوأ الاحتمالات بالنسبة للنفط. فالهجمات المستمرة على الملاحة والبنية التحتية ستؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط . ويشير بعض المحللين إلى أن الحصار الكامل لمضيق هرمز لمدة شهر سيرفع سعر البرميل بنحو 15 دولاراً أمريكياً . وقد توقّع الحرس الثوري الإيراني أن يصل سعر برميل النفط إلى 200 دولار أمريكي في حال الحصار .

  • مضيق هرمز: السيطرة والتكيف مع نقاط الاختناق

لا يزال مضيق هرمز محور تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط ، ففي عام 2024 والربع الأول من عام 2025 عبرَ المضيق نحو 20 مليون برميل يومياَ ، أي ما يقارب 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا  ، وخلال الأسبوع الأول من الحرب انهارت حركة ناقلات النفط نتيجة رفض شركات الشحن والتأمين المرور بسبب التهديدات والمخاطر واعتباراً من مارس / آذار 2026 أصبح المضيق مغلقاً فعلياً أمام حركة الملاحة التجارية . وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أن ناقلات النفط المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل “أهدافاً مشروعة”، ووقعت بالفعل عدة هجمات على سفن نقل وارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل حادّ ، ما دفع العديد من السفن إلى تغيير مسارها عبر خط أنابيب الشرق والغرب من السعودية إلى البحر الأحمر، أو تفريغ حمولتها في الخليج عبر موانئ بديلة .

  • مسارات بديلة لنقل النفط

 يستطيع خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب (من بقيق إلى ينبع) نقل حوالي 5 ملايين برميل يومياً ، وقد تم توسيعه إلى 7 ملايين برميل يومياً  في عام 2019 ويضيف خط أنابيب الإمارات العربية المتحدة إلى الفجيرة حوالي 1.8 مليون برميل يومياً . إجمالاً توجد سعة فائضة لخطوط الأنابيب تبلغ حوالي 2.6 مليون برميل يومياً – تتجاوز الاستخدام الحالي – لتوجيه النفط حول مضيق هرمز . أما خط أنابيب غوره-جاسك الإيراني الجديد (إلى محطته في خليج عُمان) فلا يستطيع استيعاب سوى حوالي 0.3 مليون برميل يومياً .

تقوم دول الخليج بتفعيل هذه الخطوط ، حيث يُوجَّه إنتاج السعودية إلى البحر الأحمر، وتستخدم الإمارات العربية المتحدة مسار الفجيرة . وعلى الصعيد الدولي ، خصصت وكالة الطاقة الدولية ما يقارب 400 مليون برميل من احتياطيات النفط لدعم الإمدادات . وفي الوقت نفسه، نوقشت إمكانية استخدام النقل البري بالشاحنات – على سبيل المثال، أسطول من 20 ألف شاحنة صهريج – كإجراء طارئ، على الرغم من محدودية القدرة الاستيعابية . ويسعى العراق إلى تنفيذ مشاريع جديدة، مثل خط أنابيب العراق-الأردن إلى العقبة وإعادة فتح خط أنابيب العراق-تركيا لتنويع الصادرات ، إلا أن إنجاز هذه المشاريع سيستغرق سنوات .

  • التوقعات المستقبلية

إذا حافظت إيران على سيطرتها على سواحلها، فبإمكانها مضايقة أو إيقاف حركة الملاحة بشكل متقطع . من الصعب استمرار الإغلاق الكامل إلى أجل غير مسمى إذ سيتطلب ذلك من إيران قبول رد فعل انتقامي واسع النطاق. ولكن إلى حين تطبيق إجراءات استعادة الثقة – مثل مرافقة بحرية متعددة الجنسيات أو ضمانات تأمينية – إن أمكن ذلك أصلاً، ستفضّل سفن الشحنات طرقاً أكثر خطورة أو تكلفة (حول أفريقيا أو عبر خطوط أنابيب أرمينيا وكازاخستان). باختصار، من غير المرجح أن يكون مضيق هرمز ممراً موثوقاً به لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات ، حتى بعد تحسن الوضع الأمني . مما قد يخلق أكبر صدمة في الإمدادات واجهها سوق النفط الحديث على الإطلاق .

 

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form