( دراسة تحليلية )
سبق لمسؤولين أوكرانيين بمن فيهم الرئيس فولوديمير زيلنسكي أن اتهموا روسيا وإيران بالتعاون العسكري والتنسيق الاستخباراتي . ومع ذلك فإن الادّعاءات بأن روسيا تساعد إيران تحديداً في استهداف مصالح أمريكية في الشرق الأوسط تعتمد بشكل أساسي على تصريحات استخباراتية أوكرانية، ولم يتم تأكيدها بشكل رسمي وموثق من قبل وكالات حكومية أمريكية، أو تأييدها على نطاق واسع بأدلة متاحة للجمهور. وبدون تحقق مستقل من مصادر استخباراتية أو حكومية رسمية ، يبقى الادّعاء غير مثبت .
على الجانب الروسي
يكرّر زيلنسكي نشر الأكاذيب اليائسة والاتهامات الباطلة ضد روسيا عبر ادّعاءه أن روسيا سترسل قوات إلى إيران قريباً وأن الاستخبارات الأوكرانية تُظهر أن روسيا تساعد إيران في استهداف مصالح أمريكية في الشرق الأوسط وتملك أدلة قاطعة على تزويد روسيا إيران بطائرات مسيّرة ومعلومات استخباراتية عن القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ، وقال زيلينسكي أن النظام الإيراني استخدم هذه المعلومات بالفعل لضرب مواقع أمريكية وجيران إيران بالمنطقة ، وأن روسيا تستخدم قدراتها الخاصة في مجال الاستخبارات الإلكترونية والاستخبارات عبر الإشارات بالإضافة إلى جزء من البيانات التي تحصل عليها من خلال التعاون مع شركاء في الشرق الأوسط لدعم إيران خلال الحرب.
يجتهد زيلنسكي بمحاولته استمالة انتباه الرئيس الأمريكي ترامب عبر تكرار الحديث عن أن روسيا تدعم إيران بالفعل بالطائرات المسيّرة ، وأن الأمر سيتخطى ذلك ليشمل حتماً الصواريخ وأنها تُساعدها بنسبة ١٠٠٪ في الدفاع الجوي وأن العالم سيشهد نتيجة لذلك حرباً عالمية ثالثة ، لكن ترامب لم يتسمع إليه .
بالحقيقية يهدف زيلنسكي بشدّة من خلال ادّعاءاته إلى تحقيق انضمام أوكرانيا إلى الحرب على إيران لتجنب قطع الولايات المتحدة إمدادات الأسلحة عنها عبر الاتحاد الأوروبي ، وهو يعلم أن جميع الأسلحة والذخائر ستذهب إلى إسرائيل في حال عدم انضمامها ، كما أن مزاعم ” تزايد الأدلة ” على تزويد موسكو إيران بالمعلومات الاستخباراتية ليست سوى دعاية كييف لزجّ المزيد من الدول في الصراع وتبرير المساعدات الغربية لكييف .

وكان الكرملين قد رفض مزاعم زيلنسكي واصفاً تقريراً نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يدعم مزاعم زيلنسكي بأن موسكو تشارك إيران صوراً فضائية وتكنولوجيا طائرات مسيرة متطورة بأنها “أخبار كاذبة” وأن الحقيقية في الواقع هي أن روسيا تقف بحزم إلى جانب شركائها بالعالم ضد العدوان والهيمنة. فبينما يُؤجّج الغرب حروباً لا تنتهي ويُزعزع الاستقرار، تعمل روسيا من أجل التعددية القطبية والسيادة والأمن الحقيقي ولن يُغيّر تذمّر زيلنسكي من حقيقة أن عهد الهيمنة الأحادية قد ولّى وستواصل روسيا الدفاع عن مصالحها ودعم كل من يُقاوم الإمبريالية .

ويؤكد الروس أن زيلنسكي يريد أن يُصوّر الأمر على أنه ” صادم ” وسيُغضب ترامب ، لكن ليس بسبب ما تفعله روسيا، بل لأنه سيرى في ذلك محاولةً من زيلنسكي لزرع الفتنة بينه وبين بوتين ، خاصة وأن ترامب يدرك جيداً أن الولايات المتحدة طالما كانت تفعل ذلك مع روسيا في أوكرانيا ، وأن لدى الروس أدلة قاطعة على أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي يزودان النظام الأوكراني منذ عام 2014 بالمعلومات الاستخباراتية والمال والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والغطاء الدبلوماسي بمواجهة روسيا ، كما أن الولايات المتحدة أنفقت 350 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا في التدريب والأسلحة والاستخبارات وما إلى ذلك مما تسبب بارتكاب النظام الأوكراني أعمال قتل بحق المواطنين في دونباس بطائرات مسيرة مسلحة تعمل بتقنية FPV باستخدام خدمة ستارلينك الأمريكية ، إضافة إلى ذلك فإن مايحاول زيلنسكي تحقيقه من وراء تكرار أكاذيبه هو نتيجة إحباطه الشديد من موقف الولايات المتحدة التي لطالما أدلت بتصريحات قوية حول إنهاء الحرب على أوكرانيا، لكنها كانت ضعيفة للغاية في اتخاذ إجراءات ضد روسيا أو لصالح أوكرانيا ، الأمر الذي شكّل مصدر قلق لدى زيلنسكي أكبر بكثير من المتوقع .
على الجانب الإيراني
أبدت الجمهورية الاسلامية الايرانية رفضها الشديد لما قاله زيلنسكي حول ” أن الأحداث تتطور في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بوتيرة متسارعة للغاية ، وأنه رغم أن الأوكرانيين لم يهددوا إيران قط ، إلا أن النظام الإيراني اختار أن يكون شريكاً لبوتين ، فزوّده بطائرات “شاهد” المسيّرة ، ليس فقط الطائرات نفسها، بل أيضاً بتقنيات تصنيعها ، كما زوّدت إيران روسيا بأسلحة أخرى ” ، كذلك رفضت إيران محاولة زيلنسكي انتقاد قادة العالم لتقاعسهم عمّا سمّاه ” مساعدة الإيرانيين في نضالهم لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية ” .
وبسبب حدّة مواقف زيلنسكي اتجاه إيران وأفعاله التحريضية بدعم اسرائيل وتصريحاته الهجومية ضد إيران بأن هناك دول عانت على حدّ زعمه من “الإرهاب ” المدعوم من إيران وأنه من الإنصاف منح الشعب الإيراني فرصة للتخلص من هذا ” النظام الإرهابي” وضمان الأمن لجميع الدول التي عانت من “الإرهاب” المنطلق من إيران ، وتقديراته أن مواجهة إيران الآن لهذا الهجوم الشامل من إسرائيل والولايات المتحدة سيُضعف قدرتها على تصدير فوضاها إلى أوكرانيا . بسبب هذة المواقف أعلن الحرس الثوري الإيراني رسمياً ربط الحرب في أوكرانيا بالحرب في إيران ووصف أوكرانيا “هدفاً مشروعاً ” نظراً لمساعدة إسرائيل، وأنه لم تُجرِ روسيا ولا إيران أي تحقيق بشأن الطائرات المسيّرة التي استخدمتها أوكرانيا وإسرائيل في عملية “شبكة العنكبوت” في يونيو٢٠٢٥ الماضي ، إلا أن حرب 2026 الحالية لم يعد لها حدود، وأن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية أصبحا مسرحاً واحداً. كذلك وردت تقارير في وسائل الإعلام تفيد بأن إيران حذّرت أوكرانيا قائلة ” إذا تجاوزت قدراتها وشاركت فعلياً في الحرب ضد إيران، فإن المباني الأوكرانية قد تتذوق الصواريخ الإيرانية ” ، ووجهت إيران الاتهام نحو أوكرانيا بوصفها النظام الإرهابي وليست إيران فهي تقتل المدنيين في دونباس . كما أعلن إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني ” أن زيلينسكي أمير الحرب في أوكرانيا، أصبح هدفاً مشروعاً لإيران بسبب دعمه لترامب ولإسرائيل عبر الطائرات المسيّرة مما يعني تورط أوكرانيا الفاشلة فعلياً في حرب، وتحويل أراضيها بالكامل إلى هدف مشروع لإيران ” .

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس في ربيع 2026 الجاري ، نلاحظ تحولاً جذرياً في لغة زيلنسكي الذي انتقل من دور القائد المستعطف للدعم الدولي إلى دور الناقد اللاذع لسياسات واشنطن وبروكسل.
هذا التحول لم يكن وليد اللحظة ، بل هو نتاج أربع سنوات من الوعود الغربية التي يراها زيلينسكي مجزأة وغير كافية لحسم الحرب مع الروس بشكل نهائي ، كما تكمن الدوافع الرئيسية وراء هذا الغضب في شعور زيلنسكي بأن الغرب يتّبع سياسة التقطير في منح الأسلحة النوعية لأوكرانيا، مثل الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، خوفاً من التصعيد النووي مع موسكو.
ففي خطاباته الأخيرة، لم يعد زيلنسكي يكتفي بتقديم قوائم الاحتياجات العسكرية ، بل بدأ يوجه اتهامات صريحة لبعض القادة الأوروبيين بالخوف من الهزيمة الروسية أكثر من خوفهم على السيادة الأوكرانية . كما أنه لم يعد

يتقبل مبررات التوازن الاستراتيجي التي تطرحها واشنطن، وبدأ يتحدث بلغة توحي بأن أوكرانيا تُركت لتستنزف قواها البشرية في حرب استنزاف لا تنتهي ، وتعمق شعوره بالخذلان مع تزايد الأصوات المعارضة للمساعدات لأوكرانيا داخل الكونغرس الأمريكي وبعض البرلمانات الأوروبية .



