
( مصادر مفتوحة )
يحظى ملف الانخراط التركي في إفريقيا بشكل عام و ليبيا بشكل خاص باهتمام واسع داخل الأوساط المؤيدة للحكومة التركية ، إذ يُنظر إليه كامتداد طبيعي لسياسة خارجية فاعلة على الساحة الدولية وأن تركيا أصبحت قوة مؤثرة في تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط و إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط ، مستخدمةً ديناميكية ” قوة متعددة الأوجه ” وتوظيف نفوذ متعدد المستويات سواء على الأرض أو على طاولة المفاوضات ، و أن الوجود التركي في ليبيا بات يتجاوز مجرد ” الدعم العسكري” حيث تعمل تركيا كلاعب رئيسي في ليبيا.
فبالنظر إلى الوضع الراهن في ليبيا ، يرتكز نفوذ تركيا على ثلاثة محاور رئيسية :
الهيمنة العسكرية والأمنية
منذ تدّخلها عام 2020 الذي حال دون سقوط طرابلس ، أصبحت تركيا قوة عسكرية دائمة في غرب البلاد حيث تُدير تركيا عبر قواعدها العسكرية هناك أنشطة تدريبية واستشارية وأمنية في مواقع استراتيجية هامة ، مثل قاعدة فاتية (الفطية) الجوية وقاعدة مصراتة البحرية . كما لا تزال الطائرات المسيرة التركية وأنظمة الرادار ومعدات الحرب الإلكترونية تشكّل عنصراً حاسماً في التوازن العسكري في ليبيا. وقد مدّد المجلس الوطني التركي مؤخراً فترة انتشار القوات التركية لمدة 24 شهراً إضافية، بدءً من 2 يناير 2026.
الوساطة السياسية
بعد أن كانت تركيا سابقاً على مقرّبة فقط من حكومة طرابلس في الغرب ، غيّرت استراتيجيتها في السنوات الأخيرة ، وأقامت جسوراً مع الأطراف والجهات الفاعلة في الشرق المرتبطة ب ( خليفة حفتر ) . و تُعد أنقرة حالياً من الدول القليلة القادرة على الحفاظ على اتصالات رفيعة المستوى مع كل من طرابلس وبنغازي . وهذا ما يجعل تركيا “ضرورية ” على أية طاولة تُصاغ فيها ملامح مستقبل ليبيا السياسي ، وعامل ضامن للاستقرار في النزاعات بين الميليشيات المسلحة في ليبيا ، حيث غالباً ما تكون وساطة تركيا العامل الرئيسي في تخفيف حدة التوتر.
المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية
بالنسبة لتركيا، لا تُعدّ ليبيا حليفاً فحسب، بل هي أيضًا “مفتاح حقوقها ” في شرق المتوسط :
- مناطق الولاية البحرية ( القضائية ): تُشكل الاتفاقية الموقعة عام 2019 حجر الزاوية في عقيدة “الوطن الأزرق” التركية . وبفضل هذه الاتفاقية ، تمكّنت تركيا من كسر محاولة تطويق المنطقة من قِبل إسرائيل واليونان وجنوب قبرص.
- إعادة الإعمار والطاقة: تُساهم الشركات التركية في إعادة إعمار ليبيا، بدءاً من المطارات ومحطات توليد الطاقة وصولاً إلى الملاعب (مثل ملعب بنغازي) والطرق السريعة والمستشفيات والمصانع. كما تتم إدارة شراكات استراتيجية في مجال استكشاف الهيدروكربونات (النفط والغاز الطبيعي).
باختصار، يعتقد أنصار التوجّه التركي في ليبيا أنه يمثل ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي التركي ، وأنها نجحت في أن تُحافظ على السيطرة والتوازن العسكري في ليبيا، وتُدير العملية الدبلوماسية، وتحمي مصالحها الاستراتيجية في شرق المتوسط من خلال هذا النفوذ.



