وثائق نادرة من داخل قاعة المحكمة الفيدرالية الأمريكية تكشف عمل شبكات الدعم اللوجستي لتنظيم داعش في تركيا
( مقالة مترجمة )
شكّلت تركيا نقطة عبور شائعة للمقاتلين الأجانب المسافرين إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش . دخل هؤلاء الأفراد تركيا عادةً بشكل قانوني ، ثم تتم عملية تهريبهم عبر الحدود إلى سوريا بواسطة وسطاء أتراك عاملين ضمن شبكة التنظيم العالمية .
هذة الحقيقية التي طالما تستّرت عليها الولايات المتحدة الأمريكية طوال سنوات الحرب في سوريا منذ عام ٢٠١١ ، والآن وبعد مرور أكثر من عشر سنوات وسقوط سوريا وسيطرة الفصائل الموالية لتركيا ، تكشف سجلات المحكمة الفيدرالية الأمريكية اليوم عن أحد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الإرهابي ميرساد كانديتش المحكوم عليه بالسجن المؤبد مرتين في الولايات المتحدة بعد إدانته بتقديم دعم مادي للتنظيم الإرهابي.
ميرساد كانديتش الإرهابي المنتمي لداعش وأحد الوسطاء العاملين ضمن شبكة التنظيم ، استخدم اسطنبول لسنوات كقاعدة لتجنيد مقاتلين أجانب ، وإدارة ملاذات آمنة وتنسيق نقلهم إلى سوريا ، ما يُلقي الضوء على كيفية استغلال الشبكات المتطرفة لتركيا كقاعدة انطلاق خلال ذروة الحرب السورية وكنقطة دخول رئيسية استخدمها وسطاء تنظيم داعش.
كانديتش الكوسوفي الأصل ، كان مقيم في الولايات المتحدة منذ عام ٢٠٠٣ مُنع من ركوب طائرة متجهة إلى كوسوفو في يوليو ٢٠١٢ بعد إدراجه على قائمة الممنوعين من السفر بسبب آرائه المتطرفة ، لكنه تمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى تركيا براً عبر المكسيك ، ثم استقل رحلات جوية متصلة عبر بنما والبرازيل قبل وصوله إلى تركيا من ثم عبر ا الحدود البرّية التركية وانضم إلى تنظيم داعش في منطقة حريتان شمال غرب مدينة حلب السورية على الطريق المؤدية إلى تركيا .
وتكشف وثائق المحكمة السرّية عن تفاصيل كيف أمضى كانديتش سنوات في إدارة عملياته انطلاقاً من إسطنبول، حيث نسّق وصول الجهاديين الأجانب وساعد في نقلهم عبر تركيا إلى المناطق التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق ، وقد أدانته وثائق المحكمة الأمريكية بوصفه (وسيط موثوق به) ضمن شبكة الدعم الدولية لتنظيم داعش مسؤولاً عن التجنيد والإمداد والتحويلات المالية.
انضم كانديتش إلى لواء جيش المهاجرين والأنصار الذي كان يتألف في معظمه من مقاتلين أجانب وكان يقوده آنذاك عمر الشيشاني . لاحقاً استحوذ تنظيم داعش على جيش المهاجرين والأنصار وأصبح الشيشاني وزير الدفاع الفعلي للتنظيم ويرفع تقاريره مباشرةً إلى البغدادي خليفة داعش.
بعد قضاء فترة داخل مناطق سيطرة داعش والمشاركة في بعض المعارك ، عاد كانديتش إلى تركيا وانضم إلى شبكة التجنيد الدولية التابعة للتنظيم . وبحلول عام ٢٠١٤ انتقل كانديتش إلى إسطنبول حيث بدأ بتنسيق سفر المجندين القادمين من الخارج وتوفير الخدمات اللوجستية لهم من استراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبية مختلفة ، وقد زوّدهم بمئات من وثائق الهوية التركية المزورة .
وتشير سجلات المحكمة الفيدرالية إلى أن كانديتش كان يدير منزلاً أو أكثر في إسطنبول يستخدمه المجنّدون الجدد لداعش لمن يسعون للهجرة (وهي هجرة دينية يقوم بها أنصار تنظيم الدولة الإسلامية لمغادرة أوطانهم والانتقال إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم) . كان يتم توجيه المقاتلين الأجانب الوافدين إلى تركيا إلى هذه الشقق قبل نقلهم إلى الحدود السورية ، وكانت بمثابة نقاط تجمّع يتلقّى فيها المجندون التعليمات وينتظرون ترتيبات دخولهم إلى سوريا . وفي الوقت نفسه كان كانديتش يتردد بشكل متكرر إلى سوريا للحفاظ على تواصله وعلاقاته الوثيقة مع العديد من الشخصيات البارزة في تنظيم داعش في سوريا .
تقدّم وثائق المحكمة أدلّة تُظهر أن كانديتش كان يدير عملية دعائية وتجنيدية إلكترونية ضخمة مستفيداً من موقعه حيث كان يحظى بأهمية خاصة من قبل تنظيم داعش والذي أولى أهمية خاصة للمجندين الناطقين بالإنجليزية مثل كانديتش لقدرتهم على ترجمة ونشر دعاية الكترونية للتنظيم بين الناطقين بالإنجليزية ، فضلاً عن استفادتهم من جوازات السفر الغربية التي سهّلت عليهم السفر عبر أوروبا ودول أخرى . حيث كان كانديتش يُسيطر على أكثر من 120 حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي تُستخدم للترويج لتنظيم داعش والتواصل مع المقاتلين المحتملين ، وكان مُلقب “أمير الإعلام” للتنظيم حيث كان يُدير حسابات متعددة على تويتر من إسطنبول للترويج لمحتوى داعش والمئات من مقاطع الفيديو الدعائية لداعش بما في ذلك لقطات تُمجّد التفجيرات الانتحارية وإعدام السجناء ، ويُساعد في توجيه المجندين الراغبين في السفر إلى تنظيم داعش وكيفية تجنّب لفت الأنظار وتجنب المراقبة و تدريبهم على الظهور كسياح يدخلون تركيا وكيفية الحصول على هواتف آمنة لإجراء اتصالات وإرسال رسائل مشفرة ومساعدتهم في أمور سفرهم عبر تزوير وثائق شخصية لتسهيل مرورهم عبر نقاط التفتيش في طريقهم إلى الحدود السورية وتنسيق الاتصالات فيما بينهم بعد وصولهم إلى سوريا لربطهم بعناصر داعش .
كذلك عمل كانديتش مع شركاء أجانب لتهريب المعدات والإمدادات إلى سوريا لصالح مقاتلي التنظيم انطلاقاً من تركيا ، وساعد في تحويل أموال من إسطنبول إلى مناطق سيطرة داعش في الموصل بالعراق وكان الهدف من هذه الأموال دعم مقاتلي داعش وعملياتهم هناك .
تشير وثائق المحكمة إلى أن عناصر داعش في اسطنبول كانوا يراقبون تحركات قوات الأمن وكانوا على دراية بعمليات الشرطة ، وقاموا بتعديل تحركاتهم وفقًا لذلك ، وهذا يعني أن داعش كان يتلقى معلومات من داخل الحكومة التركية ، على الأرجح من جهاز المخابرات التركي (MIT) الذي كان يُدير عمليات سرّية لمساعدة الجهاديين على التسلل إلى سوريا دون تنسيق مع الشرطة ، وما يثبت ذلك ، تشير الوثائق أنه بينما كان كانديتش يُديرعمليات داعش من تركيا تم اعتراض عملاء جهاز المخابرات التركي مرتين في محافظات تركية حدودية قرب سوريا في يناير/كانون الثاني 2014 من قِبل الشرطة وقوات الدرك أثناء نقلهم شاحنات مُحمّلة بأسلحة ثقيلة إلى الجماعات الجهادية . باشرت النيابة العامة التركية تحقيقاتٍ في قضايا الإرهاب بشأن الشحنات غير القانونية وسط مزاعم بأن الأسلحة كانت متجهة إلى جماعاتٍ مرتبطة بتنظيم القاعدة في سوريا ، إلا أن حكومة أردوغان تدخّلت وأوقفت التحقيقات وأقالت المدّعين العامين وضباط الشرطة والجيش الذين شاركوا فيها ، وفي وقتٍ لاحق سجنت حكومة أردوغان بعض المشاركين في اعتراض الشحنات بتهمٍ ملفقة في محاولة واضحة لترهيب أجهزة إنفاذ القانون والقضاء ومنعهم من مواصلة التحقيقات في أنشطة منظمة MIT غير القانونية .
فرّ كانديتش في نهاية المطاف من تركيا بعد أن بدأت السلطات التركية باتخاذ إجراءات ضد شبكات داعش إثر تزايد الضغوط الدولية على أنقرة وسافر إلى البوسنة والهرسك مستخدماً وثائق هوية مزورة وألقت السلطات البوسنية القبض على كانديتش في سراييفو في يونيو/حزيران 2017 ثم سُلّم إلى الولايات المتحدة حيث وجّه إليه المدّعون الفيدراليون تهماً متعددة تتعلق بالإرهاب .
تُقدّم قضية كانديتش وثائق نادرة من داخل قاعة المحكمة حول كيفية عمل شبكات الدعم اللوجستي لتنظيم داعش في تركيا خلال السنوات الأولى من الحرب السورية حيث وكانت إسطنبول بمثابة مركز تنسيق رئيسي لتلك الشبكات.
وقد أثارت وثائق المحكمة الفيدرالية الأمريكية حول هذة القضية رأي الداخل الأمريكي مما ساهم برفع الغطاء أكثر عن حقائق بحوزة الأمريكيين تم التستّر عليها خلال سنوات الحرب في سوريا حيث تؤكد هذة الحقائق أن الجهاديون الأجانب كانوا يعبرون تركيا في طريقهم إلى سوريا للانضمام إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل في سوريا ، وقد سهّلت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلامية هذا المسار ساعيةً إلى حشد كل من يرغب في قتال نظام الرئيس السوري بشار الأسد بمن فيهم المسلّحون المرتبطون بتنظيم القاعدة وداعش وفصائل جهادية أخرى .
كما نشر موقع “نورديك مونيتور” وهو موقع إلكتروني استقصائي ومركز أبحاث مستقل مقره ستوكهولم – السويد ، وثائق سرّية تُظهر أن جهاز المخابرات التركي منظمة الاستخبارات الوطنية (MIT) بقيادة هاكان فيدان وزير الخارجية الحالي قدّم دعماً مادياً للجماعات الجهادية وسهّل سفر المقاتلين الأجانب إلى سوريا عبر الأراضي التركية.