تركيا والإخوان.. مشروع نفوذ يهدم الدول

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

 

في ربيع عام 1928، ولدت فكرة غيرت وجه المنطقة لعقود. حسن البنا، ذلك الشاب، لم يكن يؤسس مجرد جماعة دعوية، بل كان يزرع بذرة مشروع سياسي متكامل عُرف لاحقاً بجماعة الإخوان المسلمين. لكن الأخطر مما ظهر على السطح كان ما اختفى في الظل: “التنظيم الخاص” أو الجهاز السري الذي استحدث لاحقاً في الأربعينيات. كان هذا التنظيم النواة الصلبة للجماعة، جناحاً عسكرياً مغلقاً، يخضع أعضاؤه لتدريبات قتالية ونفسية صارمة، ويتلقون تعليمات بمعزل عن الهيكل التنظيمي العلني. اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود النقراشي في 1948 لم يكن سوى أول الغيث، فقد كشف أن المشروع الإخواني يحمل في جوهره بذرة العنف، وأنه مستعد لاستخدام القوة متى رأى ذلك ضرورياً لتحقيق أهدافه أو الدفاع عن وجوده.

وبعد عقود، وجد هذا المشروع ضالته في تركيا حزب العدالة والتنمية. منذ وصوله إلى الحكم، لم يخفِ الحزب الحاكم في أنقرة ولعه بالإخوان، بل جعل منهم حليفاً استراتيجياً وركيزة أساسية لسياسته الخارجية. لم تكن العلاقة مجرد تقارب أيديولوجي عابر، بل تحولت إلى شراكة عضوية وظفت فيها تركيا أذرع الجماعة ودعمتها سياسياً ومالياً وعسكرياً، لتصبح بوابة نفوذها في العالم العربي.

في مصر، رأت أنقرة في وصول الإخوان إلى الحكم عام 2012 فرصة تاريخية لمد نفوذها، فسارعت إلى عقد التحالفات وتقديم الدعم. لكن الإطاحة بحكم الجماعة في 2013 حوّلت تركيا إلى قبلة آمنة لقيادات الإخوان الهاربة. هناك، في شوارع إسطنبول، وجد قادة التنظيم الخاص السابقون ملاذاً آمناً، ومنصات إعلامية مفتوحة، ودعماً سياسياً غير محدود. تحولت تركيا إلى واجهة إعلامية للجماعة، تطلق منها تهديداتها وخططها لزعزعة الاستقرار في مصر، رافضة الاعتراف بالسلطة الجديدة، ومُبقية على هذا الملف كورقة ضغط إقليمية بامتياز.

أما في سوريا، فقد بلغ الدعم التركي للإخوان أوجه. هنا، لم تكتفِ أنقرة بفتح حدودها أمام الفصائل المسلحة المرتبطة بالجماعة، بل قدّمت لهم غطاءً سياسياً ولوجستياً غير مسبوق. المقاتلون الذين تدرّبوا في معسكرات سرية، واستلهموا فكر التنظيم الخاص، وجدوا في تركيا الداعم الأكبر. ساهمت أنقرة في عسكرة الصراع، وحوّلت الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية طاحنة، ثم فرضت وجودها العسكري المباشر في الشمال السوري. تحت ذريعة تأمين الحدود، كانت تعيد رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية، وتثبت نفوذاً طويل الأمد يستند إلى فصائل تحمل فكر الإخوان وولاءها لأنقرة.

وفي ليبيا، تجلّت الصورة الأكثر وضوحاً لهذا المشروع. تحت غطاء دعم “الشرعية” لحكومة الوفاق المرتبطة بالإخوان، أرسلت تركيا آلاف المرتزقة السوريين، المنتمين إلى فصائل ذات خلفية إخوانية، ليقاتلوا في أرض ليبية لا يعرفونها. إلى جانبهم، توافدت الطائرات المسيرة والمستشارون العسكريون الأتراك، ليحسموا المعارك لصالح حكومة طرابلس. لكن الهدف الحقيقي كان أبعد من ذلك: تثبيت سلطة موالية لأنقرة، وضمان موطئ قدم استراتيجي في شرق المتوسط، والتحكم بخطوط الطاقة والنفوذ البحري. لقد تحول الإخوان وأذرعهم العسكرية إلى أداة طيّعة في يد المشروع التركي.

إن ما يجمع هذه المشاهد الثلاثة هو خيط واحد: علاقة تركيا بجماعة الإخوان لم تكن مشروعاً لدعم الديمقراطية أو الاستقرار، بل كانت مشروع نفوذ توسعي بامتياز. استخدمت أنقرة التنظيم الخاص وفكر الجهاز السري كبوابة للتدخل، وعسكرت الصراعات، ودعمت الميليشيات، ووفّرت الملاذات الآمنة لقادة الجماعة الهاربة، وحوّلتهم إلى أدوات ضغط دائمة على الأنظمة. النتيجة لم تكن سوى دول منهكة، وشعوب مستنزفة، وفوضى صنعتها أيادٍ تركية بقفاز إخواني. العلاقة العضوية بين الطرفين لم تكن تفصيلاً عابراً في تاريخ المنطقة، بل كانت معادلة صفرية، ربح فيها الطموح التركي على حساب استقرار الدول العربية، وأثبتت أن مشروع الإخوان حين يلتقي بالمصالح التركية، يتحول إلى آلة هدم لا تبني ولا تعمر.

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form